اهل السنة و الجماعة


    العجالة السنية فى إثبات تنزه الله عن المكان وجهة العلو الحسية

    شاطر
    avatar
    Admin
    Admin

    المساهمات : 238
    تاريخ التسجيل : 18/10/2010

    العجالة السنية فى إثبات تنزه الله عن المكان وجهة العلو الحسية

    مُساهمة  Admin في الإثنين يناير 03, 2011 3:07 pm

    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله رب العالمين حمدا يليق بكماله، والصلاة والسلام الأتمان والأكملان على سيدنا محمد النبى الأمى وعلى آله وصحبه وتابعيه وكل من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
    أما بعد ؛

    فهذه رسالة مختصرة صغيرة لكنها كبيرة إن شاء الله تعالى فى مسألة تنزه الله عن المكان والجهة والذى دعانى إلى أن أفرد هذه المسألة برسالة ما رأيت من بعض الإخوان وصفهم لله عز وجل بالجلوس والاستقرار على العرش ولم ينفوا عنه الحد ظانين أنهم يثبتون صفات المولى تعالى الله عمّا يقولون. والحق أنهم لم يبتدعوا مقالة فقد سبقهم إلى هذا فرقة الكرامية التى كانت تقول بأن الله بذاته على العرش استقرارا.
    ولقد ظهر التشبيه فى الأمة لما كانت المعتزلة ينفون الصفات والسلف يثبتونها فبالغ البعض في إثبات الصفات إلى حد التشبيه بصفات المحدثات فقد زادوا على ما قاله السلف فقالوا‏ : لابد من إجرائها على ظاهرها والقول بتفسيرها كما وردت من غير تعرض للتأويل ولا توقف في الظاهر فوقعوا في التشبيه الصرف وذلك على خلاف ما اعتقده السلف واقتصر بعضهم على صفات دلت الأفعال عليها وما ورد به الخبر فافترقوا فيه فرقتين فمنهم من أوله على وجه يحتمل اللفظ ذلك ومنهم من توقف في التأويل‏. قال تقى الدين بن الصلاح : ( إمامان ابتلاهما الله بأصحابهما وهما بريئان منهم أحمد بن حنبل ابتلى بالمجسمة وجعفر الصادق ابتلى بالرافضة ).
    والصحيح فى هذه المسألة مذهب أهل السنة القائلين بأن الله كان ولا مكان قبل خلق المكان فخلق المكان ولم يحتج إليه وهو على ما كان بعد خلق المكان لم يتغير عمّا كان قبل خلق المكان. فالله موجود بلا مكان ولا يقال أنه فى كل مكان كما قال جهم ولا أنه فى كل مكان من غير حلول ولا جهة كما قالت فرقة النجارية. فالمولى تعالى ليس داخل العالم (مكان)، وليس خارجه (مكان) وليس العرش مكانا له، كما أنه غير حال فيه، ولا جالس عليه ... استوى سبحانه على العرش كما أخبر لا كما يخطر على قلب البشر. ولا يلزم من كون جهتي العلو والسفل محال على الله ألا يوصف بالعلو؛ لأن وصفه بالعلو من جهة المعنى، والمستحيل كون ذلك من جهة الحس.
    وهو عز وجل فى السماء من غير جهة ؛ إذ أن الله منزه عن الحلول فى المكان، لكن لما كانت جهة العلو أشرف من غيرها أضافها إليه إشارة إلى علو الذات والصفات. فقد قال عنترة كما في ديوانه في شرحه للتبريزي:
    مقامكم فى جو السماء مكانه وباعى قصير عن نوال الكواكب
    والله سبحانه فوق السموات على العرش علوا وفوقية لا يزيدانه قربا ولا بعدا من السماء والعرش. وقد يكون من معانى الفوقية لله تعالى : الرتبة كما يقال الخليفة فوق السلطان والسلطان فوق الأمير. كما أن العلو المعنوي من المجاز الشائع في كلام العرب منتشر في القرآن : (( ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون )) (( إن فرعون علا في الأرض )) (( لا تخف إنك أنت الأعلى )).
    وقد استنبط إمام الحرمين الجوينى تنزه الله سبحانه عن الجهة من نهيه صلى الله عليه وسلم عن تفضيله على يونس بن متة عليه السلام. يقول الإمام الجوينى: إن هذا الحديث يدل على أن النبى صلى الله عليه وسلم وهو عند سدرة المنتهى لم يكن بأقرب إلى الله من يونس عليه السلام وهو فى بطن الحوت فى قعر البحر.
    وإن استدلوا بقصة المعراج وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم حمل إلى جهة فوق فليس فيها حجة لأن موسى عليه السلام سمع الكلام على الطور وكان ميعاده الطور ولم يدل على أن الله تعالى على الطور وقال في قصة إبراهيم : (( إني مهاجر إلى ربي )) وكانت هجرته إلى الشام ولم يكن الباري تعالى في الشام فبطل قولهم. وأما قوله تعالى : (( ثم دنا فتدلى )) فذلك دنو كرامة لا مجاورة كقوله : (( واسجد واقترب )).
    فإن قيل : لماذا كان المعراج إلى السماء فى ليلة الإسراء والمعراج بالمصطفى صلى الله عليه وسلم ؟ يقال : إن المكان لم يكن للمرئى وإنما كان المكان للرائى يرى منه لا يرى من غيره، وعلى هذا الفهم الصحيح المنزه لله سبحانه عن الجهة يكون فهمنا للآية الكريمة التى أنزلها الله عز وجل حاكيا عن فرعون لعنه الله : (( يا هامان ابن لى صرحا لعلى أبلغ الأسباب أسباب السموات فأطلع إلى إله موسى وإنى لأظنه كاذبا )) فلقد كذّب فرعون سيدنا موسى فى أن له إلها غيره كما فى كتب التفسير ولم يكن التكذيب فى أن الله سبحانه فوق السماوات ذاتا لأن سيدنا موسى عليه السلام لم يقل لفرعون هذا.
    ويقال لمن يستغرب من قولنا : إن الله لا داخل العالم ولا خارجه. وأمَّا من يدعي الحذق منهم ويقول : إذا قلنا لا داخل العالم ولا خارجه فيلزمنا رفع النقيضين، فهذا باطل ! لأن التناقض إنما يعتبر حين يتصف المحل بأحد النقيضين ويتواردان عليه، وأما حين لا يصح تواردهما على المحل ولا يمكن الاتصاف بأحدهما، فلا تناقض، كما يقال مثلاً : الحائط لا أعمى ولا بصير، فلا تناقض، لصدق النقيضين فيه، لعدم قبوله لهم على البدلية .
    ولقد استدل بعض العلماء بقول النبي صلى الله عليه وسلم : أنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شئ علي نفي المكان عن الله.
    واعلم أن المؤمنين وهم فى الجنة يرون ربهم بأعين رؤوسهم بلا تشبيه ولا كيفية ولا جهة ولا يكون بينه وبين خلقه مسافة.
    وأما رفع الأيدي عند السؤال إلى جهة السماء لأن السماء قبلة الدعاء ومنـزل الأنوار والأمطار والخيرات والبركات (( وفي السماء رزقكم وما توعدون)).
    واعلم أن القرافي وغيره حكوا عن الشافعي ومالك وأحمد وأبي حنيفة رضي الله عنهم القول بكفر القائلين بالجهة والتجسيم وهم حقيقون بذلك.
    فإن قيل: نفي الجهة عن الموجود يوجب نفيه لاستحالة موجود في غير جهة. قلنا : الموجود قسمان : موجود لا يتصرف فيه الوهم والحس والخيال والانفصال، وموجود يتصرف ذلك فيه ويقبله. فالأول ممنوع لاستحالته، والرب لا يتصرف فيه ذلك، إذ ليس بجسم، فصح وجوده عقلا من غير جهة ولا حيز.
    وكيف يقول أحدنا أن الله بجهة فوق ذاتا وعلماء الفلك أثبتوا أن الأرض كروية مفلطحة عند القطبين ومنبعجة عند خط الإستواء وهذا ينفى أصلا الجهة عنه سبحانه وتعالى وإلا لزم منك أن تقول بأنه سبحانه فى الجهة السفلى لمن يعيش فى القطب الشمالى وبزعمك هذا يكون الله عز وجل تحت الأرض التى فوقها السماء، وإذا كان تحت الأرض والأرض فوقه والسماء فوق الأرض وفى هذا ما يلزمك أن تقول أن الله تحت التحت والأشياء فوقه وأنه فوق الفوق والأشياء تحته، وفى هذا ما يجب أنه تحت ما هو فوقه، وفوق ما هو تحته وهذا هو المحال العقلى المتناقض تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
    وفى حديث الجارية : معنى قوله صلى الله عليه وسلم: أين الله ؟ استعلام لمنـزلته وقدره عندها وفي قلبها وأشارت إلى السماء فدلت بإشارتها على أنه في السماء عندها على قول القائل إذا أراد أن يخبر عن رفعة وعلو منـزلة : فلان في السماء أي هو رفيع الشأن عظيم القدر كذلك قولها في السماء على طريق الإشارة إليها تنبيها عـن مكانته في قلبها ومعرفتها به وإنما أشارت إلى السماء لأنها كانت خرساء فدلت بإشارتها على مثل دلالة العبارة على نحو هذا المعنى. وهذا الحديث تصرف الرواة فى ألفاظه، وقد استوعب تلك الألفاظ بأسانيدها الحافظ البيهقي في السنن الكبرى بـحيـث يجزم الواقف عليها أن اللفظ المذكور هنا مروي بالمعنى حسب فهم الراوي. وأما امتناعه صلى الله تعالى عليه وسلم عن بيان بطلان هذه العقيدة للجارية وعن بيان الحق في المسألة لها فلأن بيان الحق فيها يحتاج إلى فلسفة لم تكن الجارية أهلاً لأن تفهمها، كما أنها لم تكن مكلفة باعتقاد نفي الجهة عن الله تعالى، وقد أمر صلى الله عليه وسلم أن يكلم الناس على قدر عقولهم، فلم يكن هذا الامتناع من تأخير البيان عن وقت الحاجة، وهو ليس بجائز عليه صلى الله تعالى عليه وسلم، لأن هذا البيان ليس من البيان الواجب عليه صلى الله تعالى عليه وسلم حتى يكون تأخيره عن وقت الحاجة ممتنعاً عليه صلى الله تعالى عليه وسلم.
    وهناك أحاديث صحيحة ثابتة تقابل الاحاديث التي تسميها المجسمة بـ‍ " أحاديث العلو " منها : عن سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا كان أحدكم يصلي فلا يبصق قبل وجهه فإن الله قبل وجهه إذا صلى ). رواه البخاري ومسلم . فإن قيل أليس الله يقول : (( الرحمن على العرش استوى )) فيجب الأخذ بظاهره ؟ قلنا الله يقول أيضا : (( وهو معكم أينما كنتم )) ويقول تعالى : (( ألا إنه بكل شىء محيط )) فينبغي أيضا أن تأخذ بظاهر هذه الآيات حتى يكون على العرش وعندنا ومعنا ومحيطا بالعالم بالذات . قالوا قوله تعالى : (( وهو معكم )) يعني بالعلم و: (( بكل شىء محيط )) إحاطة العلم، قلنا وقوله تعالى : (( على العرش استوى )) قهر وحفظ وأبقى وهو كناية عن انتظام الملك لله الواحد القهار.
    وذهب البعض إلى أن الاستواء بمعنى الاستيلاء ؛ فقد قال الشاعر :
    فلما علونا واستوينا عليهم تركناهم صرعى لنسر وطائر
    ثم ذكروا اعتراضين على هذا التفسير وأجابوا عنها بما حاصله :
    الاعتراض الأول : الاستيلاء يشعر بالاضطراب والمغالبة. والإجابة عليه : ألا ترى لفظ الغالب فى قوله تعالى : (( والله غالب على أمره )).
    الاعتراض الثانى : ما فائدة تخصيص العرش مع أن استيلاءه يعم الكل ؟ والإجابة عليه : الفائدة هى الإشعار بالأعلى على الأدنى. وهذا ما عليه جمع من أئمة التفسير.
    وأما الإمام مالك فقال : ( الاستواء معلوم والكيف مجهول ) وفى رواية عنه أنه قال : ( الاستواءُ معلومٌ ولا يقالُ كيفٌ والكيفُ غيرُ معقولٍ ). فصفات البارى غير مكيفة لذا ينفى العلماء جنس الكيف أصلا عنه تعالى ويقولون : (بلا كيف).
    وقال مجاهد : (( ثم استوى على العرش )) أى علا عليه. فهل هذا العلو علو حسى أى لم يكن قبل ذلك عاليا على العرش ؟ وبطريقة أخرى : هل قبل خلق العرش لم تكن له صفة العلو ثم وجدت ؟ فبهذا تبقى صفة العلو صفة حادثة، وهذا باطل لأن صفات البارى تعالى ليست بحادثة.
    وهناك من يقول بالقدم النوعى للعرش أى مازال الله تعالى يحدث عرشا ويفنى عرشا وبذلك تكون شخصيات العروش غير قديمة لكن النوع قديم وأجيب على ذلك بقولهم : أين كان الله تعالى بين الإفناء والإيجاد.
    وقد ورد تفسير الاستواء بالاستقرار والجلوس فى خبر موضوع على سيدنا ابن عباس رواه البيهقى فى (الأسماء والصفات) عن محمد بن مروان عن الكلبى عن أبى صالح وهذه سلسلة الكذب فبين الإمام البيهقى بطلان هذا الخبر.
    فالعرش جرم من الأجرام العظيمة، خلقه الله إظهارا لعظمة قدرته الكريمة، ولم يتخذه سبحانه محلا لذاته، تعالى عن ذلك وتنزه فى صفاته، استوى الله على العرش من غير حاجة إليه، والاستواء لله ليس بالاستقرار عليه، ولو صار محتاجا للجلوس والاستقرار، فقبل خلق العرش أين كان الغفار، العرش وحملته محملون بلطف قدرته، ومقهورون قبل خلقهم فى قبضته، ومن جلس يوصف بالجهة والمكان، لأن ذلك من صفات المحدث للإنسان، وتحده بذلك مقاييس وحدود، ومن كان كذلك فهو محتاج وهذا مردود، فكل ما يوجب التشبيه والجسمية، فجميعها فى حق الله سبحانه منفية، ومن يعتقد أن الله على عرشه جالس، فهو ضال وذو عقل مريض ناقص، ما عرف الله تعالى وما عرف صفاته، فقد فسر من خياله وكذب آياته.
    وأخيرا وليس آخرا أرجو أن يكون هذا القدر كافيا فى تجلية المسألة ولعل ما كتبناه يكون نبراسا على الطريق لمن أراد أن يعرف الحق وأسأل الله تعالى أن أكون من الصادقين فى نياتهم بعيدا عن حب المحمدة ومجاراة السفهاء ومماراة العلماء راجيا إياه أن يخرج بهذه الرسالة إخواننا من ظلمات التشبيه والتجسيم إلى أنوار التنزيه، وأن يهديهم إلى صحيح المعتقد، وأن يجعل الأزهر الشريف وغيره من المعاهد والجامعات السنيّة عامرة زاخرة حافظة لنا عقيدة أهل السنة التى تنجينا من عذاب النار الذى جاء فى حديث الافتراق، وأن تزول المحنة وتمر الأزمة وتفيق الأمة من غفلتها وسنة لهوتها.
    الحمد لله الذى هدانا لهذا وما كنا لنهتدى لولا أن هدانا الله . اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد ، كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم . وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد ، كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم ، إنك حميد مجيد. سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين .
    مستفاد

      الوقت/التاريخ الآن هو الأحد نوفمبر 19, 2017 5:14 pm