اهل السنة و الجماعة


    رسالة ( حسن التفهم والدرك لمسألة الترك ) للشيخ المحدث عبدالله الغماري

    شاطر
    avatar
    Admin
    Admin

    المساهمات : 238
    تاريخ التسجيل : 18/10/2010

    رسالة ( حسن التفهم والدرك لمسألة الترك ) للشيخ المحدث عبدالله الغماري

    مُساهمة  Admin في الإثنين يناير 17, 2011 3:36 pm

    بسم الله الرّحـمن الرحيـم

    الحمدلله الذي هدانا سواء السّبيل,ووفّقنا لمعرفة الحجّة والدّليل,والصّلاة والسّلام على سيّدنا محمّد وآله الأكرمين,ورضي الله عن صحابته والتّابعين.

    أمّـا بعـد

    فقد طلب منّي تلميذنا الفاضل الأستاذ محمود سعيد أن أحرّر رسالة في مسألة التّرك,تزيل عن قارئها كلّ حيرة وشك.وذكر أنّه وجد في (إتقان الصّنعة)إشارة إليها موجزة,فأجبت طلبه وأسعفت رغبته,وكتبت هذا المؤلّف محرّراً ليكون قارئه في ميدان الاستدلال على بصيرة من أمره,ويعرف الدليل المقبول من غيره,والله الموفّق والهادي وعليه اعتمادي.

    المقدمة:

    الأدلّة التي احتج بها أئمّة المسلمين جميعاً هي:

    الكتاب والسنّة –لا خلاف بينهم في ذلك-وإنّما اختلفوا في الإجماع والقياس؛فالجمهور احتج بهما وهو الراجح لوجوه مقرّرة في علم الأصول,وتوجد أدلّة مختلف فيها بين الأئمّة الأربعة وهي الحديث المرسل وقول الصحابي,وشرع من قبلنا ,والاستصحاب ,والاستحسان وعمل أهل المدينة والكلام عليها مبسوط في كتاب الاستدلال من جمع الجوامع للسبكي.



    ماهو الحكم الشرعي؟


    الحكم هو خطاب الله المتعلّق بفعل المكلّف,وأنواعه خمسة:

    1-الواجب أو الفرض:وهو مايثاب فاعله ويعاقب تاركه مثل الصّلاة والزكاة وصوم رمضان وبر الوالدين.



    2-الحرام:وهو ما يعاقب فاعله ويثاب تاركه ,مثل الربا والزنا والعقوق والخمر.



    3-المندوب:وهو مايثاب فاعله ولا يعاقب تاركه,مثل نوافل الصّلاة.

    4-المكروه:وهومايثاب تاركه ولا عقاب على فاعله,مثل صلاة النافلة بعد صلاة الصبح أو العصر.



    5-المباح أو الحلال:وهو ماليس في فعله ولا تركه ثواب ولا عقاب مثل أكل الطيّبات والتجارة.

    فهذه أنواع الحكم التي يدور عليها الفقه الإسلامي,ولا يجوز لمجتهد صحابياً كان أو غيره أن يصدر حكماً من هذه الأحكام إلاّ بدليل من الأدلّة السّابقة,وهذا معلوم من الدين بالضرورة لا يحتاج إلى بيان.

    ماهو الترك؟

    نقصد بالترك الذي ألّفنا هذه الرسالة لبيانه:

    أن يترك النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم شيئاً لم يفعله أو يتركه السّلف الصالح من غير أن يأتي حديث أو أثر بالنّهي عن ذلك الشيء المتروك يقتضي تحريمه أو كراهته.

    وقد أكثر الاستدلال به كثير من المتأخرين على تحريم أشياء أو ذمّـها ,وأفرط في استعماله بعض المتنطّعين المتزمّـتين ورأيت ابن تيمية استدل به واعتمده في مواضع سيأتي الكلام على بعضها بحول الله.

    أنواع الترك

    إذا ترك النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم شيئاً فيحتمل وجوهاً غير التحريم:

    1-أن يكون تركه عادة:قدّم إليه صلّى الله عليه وآله وسلّم ضب مشوي فمد يده الشريفة ليأكل منه فقيل:إنّه ضب,فأمسك عنه ,فسئل: أحرام هو؟ فقال:

    لا ولكنّه لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه!...والحديث في الصّحيحين وهو

    يدل على أمرين:

    أحدهما:أنّ تركه للشيء ولو بعد الإقبال عليه لا يدل على تحريمه.

    والآخر:أنّ استقذار الشيء لا يدل على تحريمه أيضاً.

    2-أن يكون تركه نسياناً,سها صلّى الله عليه وآله وسلّم في الصّلاة فترك منها شيئاً فسئل:هل حدث في الصّلاة شيء؟ فقال:

    ((إنّما أنا بشر أنسى كما تنسون ,فإذا نسيت فذكّـروني)).

    3-أن يكون تركه مخافة أن يفرض على أمته,كتركه صلاة التراويح حين اجتمع الصّحابة ليصلّوها معه.

    4-أن يكون تركه لعدم تفكيره فيه,ولم يخطر على باله,كان النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم يخطب الجمعة إلى جذع نخلة ولم يفكر في عمل كرسي يقوم عليه ساعة الخطبة,فلمّا اقترح عليه عمل منبر يخطب عليه وافق وأقره لأنّه أبلغ في الإسماع.

    واقترح الصحابة أن يبنوا له دكّة من طين يجلس عليها ليعرفه الوافد الغريب,فوافقهم ولم يفكر فيها من قبل نفسه.

    5-أن يكون تركه لدخوله في عموم آيات أو أحاديث ,كتركه صلاة الضحى وكثيراً من المندوبات لأنّها مشمولة لقول الله تعالى((وافعلوا الخير لعلّـكم تفلحون)) وأمثال

    ذلك كثـيرة.

    6-أن يكون تركه خشية تغيّر قلوب الصحابة أو بعضهم: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم لعائشة:

    ((لولا حداثة قومك بالكفر لنقضت البيت ثم لبنيته على أساس إبراهيم عليه السّلام فإنّ قريشاً استقصرت بناءه)).وهو في الصحيحين.

    فترك صلّى الله عليه وآله وسلّم نقض البيت وإعادة بنائه حفظاً لقلوب أصحابه القريبـي العهد بالإسلام من أهل مكّة...ويحتمل تركه صلّى الله عليه وآله وسلّم وجوهاً أخرى تعلم من تتبع كتب السنّة,ولم يأت في حديث ولا أثر تصريح بأنّ النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم إذا ترك شيئاً كان حراماً أو مكروهاً.



    الترك لا يدل على التحريم



    قررت في كتاب(الرد المحكم المتين) أنّ ترك الشيء لا يدل على تحريمه,وهذا نص ماذكرته هناك:

    والترك وحده إن لم يصحبه نص على أنّ المتروك محظور لا يكون حجّة في ذلك بل غايته أن يفيد أنّ ترك ذلك الفعل مشروع,وإمّـا أنّ ذلك الفعل المتروك يكون محظوراً فهذا لا يستفاد من الترك وحده,وإنمـا يستفاد من دليل يدل عليه.

    ثمّ وجدت الإمام أباسعيد بن لب ذكر هذه القاعدة أيضاً؛فإنـه قال في الرد على من كره الدعاء عقب الصلاة:

    غاية ما يستند إليه منكر الدعاء إدبار الصّلوات أنّ التزامه على ذلك الوجه لم يكن من عمل السّلف,وعلىتقدير صحة هذا النقل ,فالترك ليس بموجب لحكم في ذلك المتروك إلا جواز الترك وانتفاء الحرج فيه,وأمّا تحريم أو لصوق كراهية بالمتروك فلا,ولا سيما فيما له أصل جملي متقرر من الشرع كالدعاء.

    وفي المحلى (ج2ص254) ذكر ابن حـزم احتجاج المالكيّة والحنفيّة على كراهية صلاة ركعتين قبل المغرب بقول إبراهيم النخعي أنّ أبا بكر وعمر وعثمان كانوا لا يصلونهما ورد عليهم بقوله:

    لوصح لما كانت فيه حجة,لأنه ليس فيه أنهم رضي الله عنهم نهوا عنهما.

    قال أيضاً:وذكروا عن ابن عمر أنّـه قال :

    ما رأيت أحداً يصلّيهما.ورد عليه بقوله :وأيضاً فليس في هذا لو صح نـهي عنهما ,ونحن لا ننكر ترك التطوع ما لم ينه عنه.

    وقال أيضاً في المحلّى (ج2ص271)في الكلام على ركعتين بعد العصر:

    وأما حديث علي ,فلا حجـة فيه أصلاً,لأنّه ليس فيه إلا إخباره بما علم من أنـه لم يرَ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ,صلاّهمـا,وليس في هذا نـهي عنهما ولا كراهة لـهما,فما صام عليه السّلام قط شهراً كامـلاً غير رمضان وليس هذا بموجب كراهيّة صوم شهـر كامل تطوعاً,اهـ.

    فهذه نصوص صريحة في أن الترك لا يفيد كراهة فضلاً عن الحرمة.

    وقد أنكر بعض المتنطعين هذه القاعدة ونفى أن تكون من علم الأصول فدل بإنكاره على جهل عريض ,وعقل مريض.

    وهاأناذا أبين أدلتها في الوجوه التالية:

    أحدهما:أن الذي يدل على التحريم ثلاثة أشياء:

    1- النـهي, نحو ((ولا تقربوا الزنا)),((ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل)).

    2- لفظ التحريم نحو((حرمت عليكم الميتة)).

    3- ذم الفعل أو التوعد عليه بالعقاب,نحو ((من غش فليس منا)).

    والترك ليس واحداً من هذه الثلاثة,فلا يقتضي التحريم.

    ثانيها:إنّ الله تعالى قال :

    ((وما آتاكم الرسول فخذوه ومانهاكم عنه فانتهوا)) ولم يقل:

    وماتركه فانتهوا عنه,فالترك لا يفيد التحريم.

    ثالثها:قال النبي,صلّى الله عليه وآله وسلّم:

    ((ما أمرتكم به فائتوا منه مااستطعتم وما نهيتكم عنه فاجتنبوه)) ولم يقل :

    وما تركته فاجتنبوه فكيف دل الترك على التحريم؟

    رابعها:أنّ الأصوليين عرفوا السنّـة بأنها قول النبي صلى الله عليه وآله وسلّم وفعله وتقريره ولم يقولوا وتركه,لأنه ليس بدليل.

    خامسها:تقدم أن الحكم خطاب الله ,وذكر الأصوليون :أن الذي يدل عليه قرآن أو سنة أو إجماع أوقياس ,والترك ليس واحداً منها فلايكون دليلاً.

    سادسها:تقدم أن الترك يحتمل أنواعاً غير التحريم ,والقاعدة الأصولية أن ما دخله الاحتمال سقط به الاستدلال بل سبق أيضاً أنه لم يرد أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم ,إذا ترك شيئاً كان حراماً وهذا وحده كاف في بطلان الاستدلال به.

    سابعها:أن الترك ظل كأنه عدم فعل,والعدم هو الأصل والفعل طارىء والأصل لا يدل على شيء لغة ولا شرعاً,فلا يقتضي الترك تحريماً.



    أقوال غير محررة

    قال ابن السمعاني إذا ترك الرسول صلى الله عليه وآله وسلم شيئاً وجب علينا متابعته فيه,واستدل بأن الصحابة حين رأوا النبي صلّى الله عليه وآله وسلم أمسك يده عن الضب توقفوا وسألواعنه..

    قلت:لكن جوابه عليه الصلاة والسلام بأنه ليس بحرام-كما سبق-يدل على أن تركه لا يقتضي التحريم فلا حجة له في الحديث,بل الحجة فيه عليه.

    وسبق أن الترك يحتمل أنواعاً من الوجوه,فكيف تجب متابعته في أمر محتمل لأن يكون عادة أو سهواً أو غير ذلك مما تقدم؟!.

    كلام ابن تيمية

    سئل عمن يزور القبور ويستنجد بالمقبور,في مرض به أو بفرسه أو ببعيره,ويطلب إزالة الذي بهم أو نحو ذلك؟

    فأجاب بجواب مطول وكان مما جاء فيه قوله:

    ولم يفعل هذا أحد من الصحابة والتابعين ولا أمر به أحد من الأئمة,يعني لم يسألوا الدعاء من النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد وفاته كما كانوا يسألونه منه في حالة حيـاته.

    وقلت في الرد عليه:وأنت خبيربأن هذا لا يصح دليلاً لما يدعيه وذلك لوجوه.

    أحدها:أن عدم فعل الصحابة لذلك يحتمل أن يكون أمراً اتفاقياً ,أي اتفق أنهم لم يطلبوا الدعاء منه بعد وفاته,ويحتمل أن يكون ذلك عندهم غير جائز,أو يكون جائزاً وغيره أفضل منه فتركوه إلى الأفضل...ويحتمل غير ذلك من الاحتمالات..والقاعدة أن ما دخله الاحتمال سقط به الاستدلال.انتهى المراد منه.

    قلت:ويؤيد أنهم لم يتركوه لعدم جوازه أن بلال بن الحارث المزني الصحابي ذهب عام الرمادة إلى القبر النبوي وقال:

    ((يارسول الله استسق لأمتك))فأتاه في المنام وقال له:

    ((اذهب إلى عمر وأخبره أنكم مسقون,وقل له :عليك الكيس الكيس))

    فأخبر عمر فبكى وقال:

    ((اللهم لا آلوا إلا ما عجزت عنه)) ولم يعنفه على ما فعل,ولو كان غير جائز عندهم لعنفه عمر.قال ابن كثير صحيح الاسناد.

    حديث صحيح لا يرد قولنا

    قال البخاري في صحيحه:

    (باب الاقتداء بأفعال النبي صلى الله عليه وآله وسلّم)وروى فيه عن ابن عمر قال:

    اتخذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم خاتماً من ذهب فاتـخذ الناس خواتيم من ذهب فقال:إني اتخذت خاتماً من ذهب))فنبذه وقال:

    ((إني لن ألبسه أبداً))فنبذ الناس خواتيمهم.قال الحافظ:اقتصر على هذا المثال لاشتماله على تأسيهم به في الفعل والترك.

    قلت:في تعبيره بالترك تجوّز,لأن النبذ فعل,فهم تأسّوا به في الفعل ,والترك

    ناشىء عنه.

    وكذلك لما خلع نعله في الصلاة,وخلع الناس نعالهم,تأسوا به في خلع النعل ,وهو فعل نتيجته الترك.

    وليس هذا هو محل بحثنا كما هو ظاهر.

    وأيضاً فإننا لا ننكر اتباعه صلى الله عليه وآله وسلم في كل ما يصدر عنه,بل نرى فيه الفوز والسعادة لكن مالم يفعله كالاحتفال بالمولد النبوي وليلة المعراج.لا نقول إنه حرام,لأنه افتراء على الله,إذ الترك لا يقتضي التحريم.

    وكذلك ترك السلف لشيء-أي عدم فعلهم له-لا يدل على أنه محظور,قال الإمام الشافعي:

    ((كل ماله مستند من الشرع فليس ببدعة ولو لم يعمل به السلف))لأن تركهم للعمل به قد يكون لعذر قام لهم في الوقت,أو لما هو أفضل منه أو لعله لم يبلغ جميعهم علم به.







    ماذا يقتضي الترك؟

    بيّـنا فيما سبق أن الترك لا يقتضي تحريـماً وإنما يقتضي جواز المتروك,ولهذا المعنى أورده العلماء في كتب الحديث,فروى أبو داوود والنسائي عن جابر رضي الله عنه قال:

    ((كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ترك الوضوء مما غيرت النار)).

    أوردوه تحت ترجمة :"ترك الوضوء مما مست النار" والاستدلال به في هذا المعنى واضح ,لأنه لو كان الوضوء مما طبخ بالنار واجباً ماتركه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحديث تركه دل على أنه غير واجب.قال الإمام أبوعبدالله التلمساني في مفتاح الوصول:

    ((ويلحق بالفعل في الدلالة,الترك,فإنه كما يستدل بفعله صلى الله عليه وآله وسلم على عدم التحريم يستدل بتركه على عدم الوجوب.وهذا كاحتجاج أصحابنا على عدم وجوب الوضوء مما مست النار به)),روي أنه صلى الله عليه وآله وسلم أكل كتف شاة ثم صلى ولم يتوضّـأ,وكاحتجاجهم على أن الحجامة لا تنقض الوضوء,بما روي أنه صلى الله عليه وآله وسلم احتجم ولم يتوضّـأ وصلّى(انظر مفتاح الوصول ص93 طبعة مكتبة الخانجي) ومن هنا نشأت القاعدة الأصوليّة:

    جائز الترك ليس بواجـب.

    إزالة اشتباه:
    قسم العلماء ترك النبي صلى الله عليه وآله وسلم لشيء ما ,على نوعين:

    نوع لم يوجد ما يقتضيه في عهده ثم حدث له مقتضى بعده صلّى الله عليه وآله وسلم فهذا جائز على الأصل.

    وقسم تركه النبي صلّى الله عليه وآله وسلم مع وجود المقتضى لفعله في عهده,وهذا الترك يقتضي منع المتروك,لأنه لو كان فيه مصلحة شرعيّـة لفعله النبي صلّى الله عليه وآله وسلم,فحيث لم يفعله دل على أنه لا يجوز.

    ومثل ابن تيمية لذلك بالأذان لصلاة العيدين الذي أحدثه بعض الأمراء وقال في تقريره :فمثل هذا الفعل تركه النبي صلّى الله عليه وآله وسلم مع وجود ما يعتقد مقتضياً له مما يمكن أن يستدل به من ابتدعه,لكونه ذكراً لله ودعاء للخلق إلى عبادة الله وبالقياس على أذان الجمعة.

    فلما أمر الرسول صلّى الله عليه وآله وسلم بالأذان للجمعة,وصلّى العيدين بلا أذان ولا إقامة,دل تركه على أن ترك الأذان هو السنّة,فليس لأحد أن يزيد في ذلك....الخ كلامه.

    وذهب إلى هذا أيضاً الشاطبي وابن حجر الهيتمي وغيرهما,وقد اشتبهت عليهم هذه المسألة بمسألة السكوت في مقام البيان.صحيح أن الأذان في العيدين بدعة غير مشروعة,لا لأن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم تركه ولكن لأنه صلّى الله عليه وآله وسلم بيّـن في الحديث ما يعمل في العيدين ولم يذكر الأذان فدل سكوته على أنه غير مشروع.

    والقاعدة:أن السكوت في مقام البيان يفيد الحصر.وإلى هذه القاعدة تشير الأحاديث التي نهت عن السؤال ساعة البيان.

    روى البزار عن ابي الدرداء قال:قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم :

    ((ما أحل الله في كتابه فهو حلال وما حرم فهو حرام وما سكت عنه فهو عفو فاقبلوا من الله عافيته فإن الله لم يكن لينسى شيئاً ثم تلا((وما كان ربك نسيّاً)).

    قال البزار :إسناده صالح ,وصححه الحاكم.

    وروى الدارقطني عن أبي ثعلبة الخشني عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم قال: إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها ,وحد حدوداً فلا تعتدوها وحرّم أشياء فلا تنتهكوها وسكت عن أشياء رحمة بكم من غير نسيان فلا تبحثوا عنها)).

    في هذين الحديثين إشارة واضحة إلى القاعدة المذكورة وهي غير الترك الذي هو محل بحثنا في هذه الرسالة,فخلط إحداهما بالأخرى مما لا ينبغي.

    ولذا بينـت الفرق بينـهما حتى لا يشتبه أحد .وهذه فائدة لا توجد إلا في هذه الرسالة والحمدلله.



    تتميـم
    قال عبدالله بن المبارك :أخبرنا سلام بن أبي مطيع عن ابن أبي دخيلة عن أبيه قال:

    كنت عند ابن عمر فقال:"نهى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم عن الزبيب والتمر يعني أن يخلطا".

    فقال لي رجل من خلفي:ماقال؟ فقلت: (حرّم رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم التمر والزبيب) فقال عبدالله بن عمر : (كذبت)! فقلت: (ألم تقل نهى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم عنه ؟فهو حرام) فقال: (أنت تشهد بذلك )؟ قال سلام كأنه يقول: مانهى النبي صلّى الله عليه وآله وسلم فهو أدب.

    قلت:انظر إلى ابن عمر .وهو من فقهاء الصحابة –كذّب الذي فسّر نهى بلفظ حرّم,وإن كان النهي يفيد التحريم لكن ليس صريحاً فيه بل يفيد الكراهة أيضاً وهي المراد بقول سلام:فهو أدب.

    ومعنى كلام ابن عمر :أن المسلم لا يجوز له أن يتجـرأ على الحكم بالتحريم إلا بدليل صريح من الكتاب أو السنّة,وعلى هذا درج الصحابة والتابعون والأئمّـة.

    قال إبراهيم النخعي ,وهو تابعي :

    كانوا يكرهون أشياء لا يحرّمونها,كذلك كان مالك والشافعي وأحمد كانوا يتوقّـون إطلاق لفظ الحرام على ما لم يتيقن تحريمه لنوع شبهة فيه,أو اختلاف أو نحو ذلك,بل كان أحدهم يقول أكره كذا,لا يزيد على ذلك.

    ويقول الإمام الشافعي تارة :أخشى أن يكون حراماً ولا يجزم بالتحريم يخاف أحدهم إذا جزم بالتحريم أن يشمله قول الله تعالى : ((ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب)).

    فما لهؤلاء المتزمتين اليوم يجزمون بتحريم أشياء مع المبالغة في ذمها بلا دليل إلا دعواهم أنّ النبي صلّى الله عليه وآله وسلم لم يفعلها وهذا لا يفيد تحريماً ولا كراهة فهم داخلون في عموم الآية المذكورة.

    نماذج من الترك
    هذه نماذج لأشياء لم يفعلها النبي صلّى الله عليه وآله وسلم:

    1-الاحتفال بالمولد النبوي.

    2-الاحتفال بليلة المعراج.

    3-إحياء ليلة النصف من شعبان.

    4-تشييع الجنازة بالذكر.

    5-قراءة القرآن على الميت في الدار.

    6-قراءة القرآن عليه في القبر قبل الدفن وبعده.

    7-صلاة التراويح أكثر من ثماني ركعات.

    فمن حرّم هذه الأشياء ونحوها بدعوى أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم لم يفعلها فاتلُ عليه قول الله تعالى:

    ((ءآلله أذن لكم أم على الله تفترون)).

    لا يقال:وإباحة هذه الأشياء ونحوها داخلة في عموم الآية لأنـا نقول :

    ما لم يرد نهي عنه يفيد تحريمه أو كراهته ,فالأفضل فيه الإباحة لقول النبي صلّى الله عليه وآله وسلم: ((وما سكت عنه فهو عفو))أي مباح.

    وبعد: فقد أوضحنـا مسألة الترك, وأبطلنـا قول من يحتـج به بما أبديناه من الدلائل التي لم تدع قولاً لمنصف ولا تركت هربـاً لصاحب جدل ولجاج.

    والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ,والحمدلله رب العـالمـيـن

      الوقت/التاريخ الآن هو السبت سبتمبر 23, 2017 10:59 pm